كتب زياد فرحان المجالي –
في هذا العالم، لا أحد يثور من أجل “العدل” كما نتخيله نحن.
ولا أحد يتحرك لأن الضمير أفاق فجأة.
العالم يتحرك فقط عندما يشعر أن مصالحه تُهدَّد، وأن خرائطه قابلة للانفجار، وأن أمنه مهدد بالخسارة.
لهذا، حين ظهرت “غرينلاند” على طاولة ترامب—بوصفها صفقة قابلة للبيع والشراء—قامت أوروبا ولم تقعد.
تصريحات عاجلة.
قادة يتحركون.
صحف تصرخ.
تحذيرات لا تتأخر دقيقة.
أما غزة… غزة التي تُحرق أمام الكاميرات…
غزة التي تُسحق بالبشر والحجر والشجر…
غزة التي تدفع ثمن “النظام العالمي” كله…
فهي تُترك وحدها:
للموت،
وللصمت،
ولصفقات تُطبخ خلف الأبواب.
هذه ليست مقارنة بين جزيرة وبشر.
هذه مقارنة بين قارة تعرف كيف تدافع عن مصالحها، وبين أمة أُنهكت حتى صار وجعها مادة خبرية… لا قرارًا سياسيًا.
أوروبا لا تتحرك لأن غرينلاند “مظلومة”… بل لأن أمنها مهدد
أوروبا لم تخرج لتقول: “حقوق الشعوب!”
لم تخرج لتبكي على “الهوية” و”الإنسان”.
بل خرجت لأن غرينلاند تعني شيئًا واحدًا: القطب الشمالي.
والقطب الشمالي يعني:
ممرات بحرية جديدة.
ثروات.
نفوذ.
قواعد.
وخرائط تُعاد كتابتها في زمن الانهيار الكبير.
الأوروبيون فهموا الرسالة فورًا:
إذا دخل ترامب بعقلية “ضمّ النفوذ” إلى غرينلاند… فهذا يعني أن واشنطن لا تحترم حتى الحلفاء.
يعني أن أميركا ليست شريكًا… بل “مالكًا” يريد أن يزيد رصيده من الجغرافيا.
لذلك ثارت أوروبا.
لأنها تعرف أن التنازل الصغير اليوم… قد يصبح ابتلاعًا كاملًا غدًا.
غزة لا تملك رفاهية “الاهتمام الأوروبي”… لأنها ليست ضمن أمن الغرب
والآن اسأل نفسك:
لماذا لا يثور العالم لغزة؟
الجواب مؤلم… لكنه واضح:
لأن غزة ليست ضمن “الأمن القومي الغربي”.
غزة ليست خطرًا على نفوذهم… بل مادة اختبار لهيمنتهم.
ليست ملفًا يهددهم… بل ملفًا يبتزون به الآخرين.
أوروبا تتحرك حين تتأذى.
حين تُجرح مصالحها.
حين تهتز حدودها.
أما حين نتألم نحن؟
حين يموت أطفال غزة؟
حين تُباد أحياء كاملة؟
حين تُستهدف المستشفيات؟
حين يتحول الركام إلى وطن؟
لا شيء… سوى البيانات.
والبيانات في زمن المذابح ليست موقفًا.
البيانات أحيانًا… جريمة مؤدّبة.
العرب يملكون الحزن… لكن لا يملكون القرار
العرب ليسوا بلا مشاعر.
بل هم أكثر أمم الأرض بكاءً على فلسطين.
لكن ما فائدة البكاء حين تصبح الحرب سياسة؟
وما فائدة الغضب حين يصبح العالم شركة؟
العرب لا يفتقدون القلب… بل يفتقدون الأدوات.
لا توجد جبهة ضغط واحدة.
لا توجد ورقة اقتصادية تُستخدم بذكاء.
لا يوجد قرار موحد يقول:
“هنا نتوقف… وهذا خط أحمر.”
ومادام لا يوجد قرار… فالنتيجة واحدة:
غزة تُدار من خارج غزة.
والقضية الفلسطينية تُطبخ على طاولات الآخرين.
ترامب لا يرى غزة “دمًا”… بل يرى “فاتورة”
هنا تبدأ الكارثة الكبرى.
ترامب لا يتعامل مع غزة كقضية إنسانية.
هو يتعامل معها كملف صفقة:
من يدفع؟
من يوقّع؟
من يحصل على الامتياز؟
من يتحمل إعادة الإعمار؟
من يأخذ الموانئ؟
من يسيطر على المعابر؟
من ينال الصورة؟
هذه عقلية ترامب:
البيت الأبيض عنده ليس بيت قيم… بل غرفة محاسبة.
والرئاسة ليست مسؤولية أخلاقية… بل “ماركة” شخصية.
ولهذا حين تُترك غزة في الفراغ العربي… يدخل ترامب ليملأ الفراغ بالصفقة.
وحين يغيب العرب كقوة… يأتي “تاجر السياسة” ليحوّل الدم إلى عقد.
أخطر ما في الحرب: أن فلسطين تُسلم مجددًا لإدارة الخارج
دعونا نكون صريحين:
أكبر خطر ليس فقط قتل الفلسطيني.
بل قتل الفلسطيني ومعه حقه في تقرير مصيره.
حين تصبح غزة ملفًا أميركيًا، فهذا يعني ببساطة:
أن حياة الغزي تُقاس بميزان الانتخابات الأميركية.
وأن وجوده يُربط بمزاج البيت الأبيض.
وأن الخريطة تُرسم وفق مصالح من يملك القوة.
هذا ليس تحليلًا متطرفًا.
هذا الواقع.
لماذا غرينلاند “تستفز أوروبا” وغزة لا تستفز العرب؟
لأن أوروبا عندها دولة… والعرب عندهم “أزمات دولة”.
لأن أوروبا عندها قرار… والعرب عندهم بيانات.
لأن أوروبا تعرف أن الجغرافيا مستقبل… والعرب ما زالوا يتصرفون كأن السياسة مجرد كلمات.
غزة فضحت كل شيء:
فضحت ضعف البنية العربية.
فضحت هشاشة مفهوم “الأمن القومي”.
فضحت أن الانقسام ليس اختلاف رأي… بل شرخ قاتل.
فضحت أن القضية الفلسطينية تُستخدم كثيرًا في الخطابة… وتُترك وحدها في الميدان.
في زمن القوة… لا مكان للأخلاق وحدها
لن تنقذ غزة “النية الطيبة”.
لن يوقف القتل “الاستنكار”.
لن يمنع التهجير “النداءات”.
العالم لا يحترم إلا من يرفع كلفة الجريمة.
ومن لا يستطيع رفع الكلفة… سيُسحق مهما كانت عدالة قضيته.
وغزة اليوم تدفع ثمن هذه الحقيقة.
أوروبا تملك “غضبًا منظمًا”… والعرب يملكون “حزنًا مشتتًا”
أوروبا حين تغضب، تتحرك ككتلة.
تصنع موقفًا.
تفرض واقعًا.
تُهدد، وتضغط، وتفاوض من موقع قوة.
أما نحن… فنكتب منشورًا، ونصرخ ساعة، ثم نعود إلى الانقسام.
وهكذا…
تثور أوروبا لغرينلاند،
بينما تُسلم غزة لترامب.
كلمة أخيرة: غزة ليست مجرد مأساة… إنها اختبار للأمة
غزة اليوم ليست فقط ركامًا.
غزة امتحان:
هل نحن أمة قادرة على حماية كرامتها؟
هل نحن أمة قادرة على تحويل الحق إلى قوة؟
هل نحن أمة قادرة على مواجهة العالم حين يظلمنا؟
إذا لم نفعل… فلن يرحمنا التاريخ.
وسوف تصبح فلسطين في الكتب: “قضية عادلة”… ضاعت لأن أصحابها عجزوا عن تحويل العدل إلى مشروع قوة.
وغزة ستبقى تقول لنا كل يوم:
ليست المشكلة أن العالم ظالم…
المشكلة أن الأمة التي تملك الحق… لا تملك القرار.
