أخبار

أبجدية خلف الأدخنة.. كيف “طبخت” نساء الأطلس الهوية الأمازيغية لتنجو من النسيان؟

أبجدية خلف الأدخنة.. كيف “طبخت” نساء الأطلس الهوية الأمازيغية لتنجو من النسيان؟


في جبال الأطلس الوعرة وقمم الريف الصامدة، لم تكن المرأة الأمازيغية مجرد طاهية خلف الموقد أو نسّاجة في زاوية البيت، بل كانت حارسة لذاكرة جماعية وهوية مهددة بالاندثار.

ففي زمن لم يعترف إلا بالكتابة الرسمية، حوّلت نساء وصفن طويلا بـ”الأميات” الخبز والنسيج إلى وسائط ذكية لحفظ اللغة الأمازيغية وتاريخها الثقافي، جاعلات من البيوت مدارس بديلة كتبت ما عجزت عنه الكتب.

 

أبجدية العجين.. رسائل “تيفيناغ” المخبوزة

في مطابخ القرى الجبلية، لم تكن النقوش على وجه خبز “تافرنوت” مجرد زينة بصرية، بل لغة رمزية مشفّرة. فالمثلث والمعين والخط المتعرج ليست أشكالاً عشوائية، بل جذور لحروف أبجدية “تيفيناغ”، انتقلت من الذاكرة الجماعية إلى موائد الأسرة، حيث هكذا تحوّل الخبز من غذاء للجسد إلى غذاء للهوية، يحمل رسالة ثقافية قبل أن يكون وجبة يومية.

وحول هذا الدور، يقول رشيد توهتو في الثقافة والتراث الأمازيغي لـ”العربية.نت”: “المرأة الأمازيغية كانت ولا تزال صمام الأمان وحارسة التقاليد، فهي التي تولت تلقين اللغة الأم للأطفال وترسيخ أنماط العيش المرتبطة باللباس والأكل والعادات. ومن أبرز ما حافظت عليه “الوشم” الذي لم يكن مجرد زينة، بل أثبتت الدراسات الأنثروبولوجية أنه كان “بطاقة تعريف” تميز كل قبيلة عن جيرانها بأشكال هندسية فريدة”.

من أجزاء الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية بالجزائر

من أجزاء الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية بالجزائر

الحُلي والوشم.. رسائل “مُشفرة” فوق الصدور والوجوه

لم يتوقف هذا الذكاء الفطري عند الطعام بل امتد إلى “هندسة الجمال”، حيث استعملت المرأة الحُلي الفضية كبيانات اجتماعية وثقافية.

كما أن “الخلالة” والتاج والخميسة لم تكن زينة عابرة، بل كانت تحمل نقوشاً هي في الأصل “تمائم لغوية” ورموز بصرية تحمي الأبجدية الأمازيغية من الاندثار، لأن الفضة التي تتوارثها الحفيدات عن الجدات هي في الحقيقة “مخطوطات معدنية” صمدت أمام الصدأ والنسيان.

ويوضح الباحث في تصريحه: “الوشم والرموز المنقوشة على الحلي لم تكن مجرد تجميل، بل نظاماً رمزياً دقيقاً يميّز القبائل عن بعضها ويضمن استمرارية المرجعية الثقافية عبر الأجيال، خاصة في المجتمعات التي اعتمدت النقل الشفهي والبصري وسيلة للتدوين والبقاء”.


هندسة البقاء.. “المنسج” درع ضد النسيان

وفي مواجهة قسوة الطبيعة، ابتكرت المرأة الأمازيغية ما يمكن تسميته بـ”هندسة البقاء”، فمن خلال حياكة الملابس والزرابي، حمت أسرتها من برد الجبال.

ولم تكن “الزربية” مجرد قطعة ديكور، بل ذاكرة صوفية تحفظ حكايات المقاومة. ومع الزمن، تجاوزت هذه الإبداعات كالحنبل وزربية “تازناخت” حدود القرى لتغزو المعارض العالمية.

ويضيف الباحث: “لولا الزرابي التي تنسجها المرأة في المناطق الجبلية لكانت هناك صعوبة بالغة في العيش. فإبداعات كالحايك والحنبل والموزون هي نتاج فكر نسائي بامتياز، استطاعت من خلاله المرأة أن تبتكر حلولاً للبقاء، مما جعل صيت “الحنبل الأطلسي” وزربية “تازناخت” يتجاوز المغرب إلى العالمية”.


سيادة الأنثى.. من “أحيدوس” إلى أسطورة الحب

ولم تكن المرأة الأمازيغية صامتة داخل حصنها بل أبدعت بجسدها ولسانها في رقصات “أحيدوس” و”أحواش”، حيث غنّت للوطن ضد الاستعمار، وللحب ضد الأبوية.

وتظل أسطورة “إيسلي وتسليت” شاهدة على حب أسطوري تحول إلى موسم سنوي للبطولة في “إميلشيل”، حيث تختلط الأسطورة بالذاكرة الشعبية.

 ويختم الباحث حديثه بالإشارة إلى الجذور التاريخية لهذه المكانة: “إن التأمل في جمالية الرقص الجماعي وترديد الزجل حول معركة الإنسان من أجل البقاء، لدليل على المكانة الاعتبارية للمرأة؛ حتى إن بعض الباحثين صنفوا المجتمع الأمازيغي كمجتمع “أميسي” قبل وصول الإسلام، حيث أولوا أمرهم للمرأة القائدة، مما يفسر دورها اليوم كحارسة أمة كتبت تاريخها بأدوات بسيطة لكنها عصية على المحو”.

 





Source link

السابق
شابة في الثلاثين تحقق الملايين.. من ترك الوظيفة إلى إمبراطورية مخبوزات
التالي
503 Service Unavailable